السيد محمد حسين الطهراني
63
معرفة الإمام
أسمر . وإنّما يكلّفهم الإذعان بسلطانه والانتهاء إلى أمره . ألا ترى أنّ رجلًا لو أتى إلى باب الملك ، فقال : اعرض عَلَيّ نفسك حتى أتقصّى معرفتك ، وإلّا لم أسمع لك ، كان قد أحلّ نفسه العقوبة . فكذا القائل إنّه لا يقرّ بالخالق سبحانه حتى يحيط بكنهه متعرّض لسخطه . قال المظفّر : وعلى مثل هذا البديع من البيان ، والساطع من البرهان ، أتمّ الصادق عليه السلام دروسه التي ألقاها على المفضّل بن عمر ، فقال في آخر كلامه : يَا مُفَضَّلُ ! خُذْ مَا أتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرينَ ، وَلآلَائِهِ مِنَ الحَامِدِينَ ، وَلأوْلِيَائِهِ مِنَ المُطِيعِينَ . فقد شرحتُ لك من الأدلّة على الخلق والشواهد على صواب التدبير والعمد قليلًا من كثير وجزءاً من كلّ ، فتدبَّرْه ! وفكّر فيه ! واعتبر به ! ختام الحوار الذي دار بين الإمام الصادق عليه السلام والمفضّل يقول المفضّل : فانصرفت من عند مولاي بما لم ينصرف أحد بمثله . « 1 » قال المظفّر : حقيق بأن يغتنم أرباب المعارف جلائل هذه الحِكَم كما اغتنمها المفضّل ، فقد أوضح فيها أبو عبد الله من حِكَم الأسرار وأسرار الحِكَم ما خفي على الكثير علمه وصعب على الناس فهمه . وهذه الدروس كما دلّتنا على الحكيم في صنائعه تعالى أرشدتنا إلى إحاطته عليه السلام بفلسفة الخلقة ، بل تراه في هذه الدروس فيلسوفاً إلهيّاً ، وعالماً كلاميّاً ، وطبيباً نطاسيّاً ، ومحلّلًا كيمياويّاً ، ومشرّحاً فنّيّاً ، وفنّاناً في
--> ( 1 ) - قال في الهامش : طُبع هذا التوحيد المعروف ب - « توحيد المفضّل » عدّة مرّات . ورواه في « بحار الأنوار » 20 / 17 إلى 47 . وكانت الطبعات كلّها غير خالية من الغلط المطبعيّ ، فكان النقل عنه بعد التدبّر والتطبيق . وأصحّها طبعاً ما طُبع في المطبعة الحيدريّة في سنة 1369 ه - . والشواهد على نسبة هذا التوحيد إلى الصادق عليه السلام كثيرة ، ليس هذا محلّ ذكرها .